تواجه وزارة التموين تحديًا في احتواء ارتفاع أسعار الخبز غير المدعوم، بعدما طالبت قطاعات تجارة الحبوب والمطاحن والمخابز الحكومة بالسماح بزيادة أسعار الأرغفة لحماية أرباحها وتعويض ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي المقابل، أعلنت الوزارة ضخ كميات من القمح عبر البورصة السلعية المصرية لخفض الأسعار وتقليص تكاليف الإنتاج.
وبحسب تقرير شمس الدين عصام الذي نشره موقع «مدى مصر»، جاء التحرك الحكومي عقب مطالبات بمراجعة ضوابط تسعير الخبز خلال أغسطس وسبتمبر الماضيين. ورغم المباحثات التي جمعت ممثلي الوزارة والعاملين في القطاع، أبقت الحكومة على حدود الأسعار المحددة وأوزان الأرغفة دون تغيير، وأعلنت بدلًا من ذلك طرح كميات إضافية من القمح في السوق.
لكن مصادر من قطاعات تجارة الحبوب والطحن والمخابز أعربت، في تصريحات لـ«مدى مصر»، عن شكوكها في قدرة الآلية الحكومية على خفض تكاليف الإنتاج بصورة ملموسة. وأشارت إلى أن تجربة مماثلة عام 2023 لم تؤدِّ إلى خفض الأسعار، بل أسهمت في تنشيط سوق موازية استغلها بعض المتعاملين لتحقيق أرباح من إعادة بيع القمح.
ولم تكشف وزارة التموين عن الكميات التي تعتزم طرحها عبر البورصة السلعية، لكن متحدثين باسم الوزارة أوضحوا أن الإمدادات الإضافية ستكون كافية لخفض التكاليف على امتداد سلسلة التوريد.
وقال مصدران من قطاع الحبوب، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، إن القمح المستورد يُتوقع أن يصبح متاحًا عبر البورصة السلعية المصرية خلال الأسبوع الجاري أو المقبل. وأضافا أن المبيعات ستقتصر على 500 طن لكل مطحن، وفقًا للاتفاق مع الوزارة، مع عقد جلستين للتداول أسبوعيًا.
وفي المقابل، قال الرئيس التنفيذي للبورصة السلعية لصحف اقتصادية، الثلاثاء، إن التداول بدأ بالفعل خلال الأسبوع الجاري.
وتستهدف الوزارة بيع القمح بسعر يتراوح بين 16,500 و16,700 جنيه للطن. وأوضح المصدران أن جميع المطاحن المرخصة ستتمكن من شراء الكميات المطروحة، بما يتيح توفير مزيد من الدقيق للمخابز المنتجة للخبز التجاري، مثل الفينو والخبز السياحي.
طرح القمح عبر البورصة السلعية يثير تساؤلات بشأن جدواه
غير أن الأسعار المعلنة لا تكفي وحدها لإقناع المطاحن بالشراء عبر البورصة، بحسب عضو آخر في إحدى غرف صناعة الحبوب. إذ يتراوح سعر طن القمح حاليًا في السوق الحرة بين 16,800 و17,200 جنيه، وفقًا للجودة.
وعند احتساب الرسوم الإضافية المرتبطة بالتسجيل والتداول في البورصة السلعية، تتقلص الفجوة بين السعر المعروض عبر البورصة وسعر السوق المفتوحة.
وقال المصدر إن المطاحن لا تزال تشكك في جدوى استخدام الآلية الحالية، لا سيما أنها تتحمل تكاليف التسجيل والتداول التي لا تتكبدها بالضرورة عند الشراء مباشرة من التجار.
وأضاف أن تقييم مدى تنافسية السعر الحكومي يظل صعبًا قبل معرفة مواصفات القمح المطروح وجودته. فعندما تشتري المطاحن من موردي القطاع الخاص، تستطيع فحص الشحنة قبل إتمام عملية الشراء.
وأشار صاحب أحد المطاحن إلى أن التساؤلات لا تتعلق بسعر القمح وحده، بل تشمل قدرة الحكومة على ضمان تدفق الإمدادات بصورة منتظمة عبر البورصة السلعية، بما يسمح بالسيطرة على التكاليف ويبرر الانتقال إلى هذه الآلية.
وأكد أن التعامل مع الموردين المعتادين يظل الخيار الأكثر وضوحًا وشفافية إلى أن تثبت الآلية الحكومية قدرتها على تلبية احتياجات السوق باستمرار.
ارتفاع أسعار القمح والدقيق يضغط على المخابز
ارتفعت أسعار القمح عالميًا مع تصاعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ما أدى إلى اضطراب حركة الشحن عبر البحر الأسود وزيادة التكاليف في مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم.
ورغم تأكيد الحكومة زيادة مشترياتها من القمح المحلي، لا تزال مصر تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات القادمة من روسيا وأوكرانيا. وانعكست الضغوط السعرية بوضوح على سوق الدقيق المحلية خلال الأشهر الأخيرة.
ففي يونيو الماضي، بلغ سعر طن القمح المستورد نحو 12,500 جنيه، بينما وصل سعر طن الدقيق غير المدعوم إلى نحو 17 ألف جنيه. أما الآن، فقد ارتفع سعر طن الدقيق غير المدعوم إلى نحو 21 ألف جنيه.
ويستحوذ الدقيق على ما يتراوح بين 60 و70% من تكلفة إنتاج الخبز التجاري، وفق تقديرات مصدر لم يكشف عن هويته في شعبة المخابز العامة. ويؤدي ارتفاع أسعاره إلى الضغط مباشرة على هوامش أرباح المخابز، بالتزامن مع زيادة تكاليف التشغيل الأخرى.
وقال عضو في شعبة المخابز لـ«مدى مصر» إن استئناف بيع القمح عبر البورصة السلعية لن يعالج الفجوة بين تكلفة إنتاج الخبز غير المدعوم والأسعار التي تحددها وزارة التموين. وأضاف أن الحكومة استخدمت الآلية نفسها قبل نحو ثلاث سنوات، لكنها لم توفر كميات كافية من المواد الخام للمخابز لتخفيف أعباء الإنتاج.
وتشمل تكاليف المخابز مدخلات إنتاج متعددة تتأثر جميعها بتراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، الذي بلغ سعره حاليًا 53 جنيهًا، مقارنة بأقل من 49 جنيهًا في نهاية أغسطس الماضي.
تجربة 2023 تكشف مخاطر المضاربة في سوق القمح
طرحت وزارة التموين القمح المستورد عبر البورصة السلعية للمرة الأخيرة خلال الفترة من أكتوبر 2023 حتى 21 يناير 2024. وعزا وزير التموين آنذاك، علي المصيلحي، تعليق التداول إلى المضاربات على أسعار القمح في السوق المحلية.
وفي ذلك الوقت، أشارت مصادر تحدثت إلى «مدى مصر» إلى أن محدودية الكميات التي طرحتها الوزارة قلّصت تأثيرها في أسعار السوق. كما أفادت بأن عددًا من المطاحن التي لم تكن تعالج الحبوب فعليًا سجلت نفسها مشترية في البورصة، بهدف شراء القمح الحكومي ثم إعادة بيعه في السوق الحرة بأسعار أعلى.
وكانت الحكومة قد أنشأت البورصة السلعية بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 2020، لتكون سوقًا منظمة لتداول السلع القابلة للتخزين، من خلال آلية تسعير وصفتها البورصة نفسها بأنها «مهمة».
ووصف المصيلحي البورصة آنذاك بأنها أداة لتنظيم الأسعار، وتعزيز الشفافية في السوق، والحد من التفاوت السعري بين الأسواق المختلفة.
لكن التجربة السابقة تثير تساؤلات بشأن قدرة الطرح الحكومي الجديد على تحقيق أهدافه، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج واستمرار الضغوط على قطاع المخابز. وبينما تراهن وزارة التموين على زيادة المعروض لخفض أسعار القمح والدقيق، يبقى نجاح التدخل مرهونًا بانتظام الإمدادات، وتنافسية الأسعار، والحد من المضاربات التي قد تحول الطرح الحكومي إلى فرصة لتحقيق أرباح إضافية للوسطاء، بدلًا من تخفيف الأعباء عن المخابز والمستهلكين.
https://www.madamasr.com/en/2026/10/15/news/u/will-supply-ministrys-wheat-intervention-really-rein-in-cost-of-unsubsidized-bread/

